اولياء چلبي
106
الرحلة الحجازية
المسافة تستغرق مائة ساعة فقط ؛ بالخيول ، والبغال . ولكن لما كانت الطرق غير ذلك ؛ تحتم على القوافل استخدام الإبل . وكما هو معلوم ؛ فليس هناك فرق كبير ، بين ما تقطعه الإبل ، وبين ما يقطعه المترجل في سيره ، أو من يسير على قدميه ، لذلك ، لو اهتم السلاطين بإنشاء الطرق الرئيسية ، أو السلطانية « 1 » من الشام إلى
--> ( 1 ) الطرق السلطانية : مصطلح إدارى يطلق على الطرق الرئيسية الواقعة بين الحرمين الشريفين ، ولما كان السلاطين هم الذين يهتمون وكان حجاج بيت اللّه الحرام يتوجهون بعد الانتهاء من مناسك الحج إلي المدينة المنورة للتشرف بزيارة المسجد النبوي الشريف ، والسلام على النبي المصطفى ، وزيارة الروضة المطهرة ، والحجرة المعطرة ، وكانت القوافل تسلك طرقا عديدة ، رأينا أنه من المناسب الإشارة إليها : وخاصة الطرق الرئيسية أي السلطانية ؛ الطريق السلطاني : إن أول منزل للخارجين من مكة المكرمة هو القرية المشهورة المعروفة ب ( وادى فاطمة ) . إن هذه القرية تبعد عن مكة مسافة ست ساعات سيرا بالجمال . وتشتهر بعيونها الجارية ، وحدائقها وبساتينها اليانعة التي تشتمل على النخيل وسائر الأشجار الأخرى . إن الليمون والنارنج وأكثر الخضروات التي تباع في مكة المكرمة تزرع في هذه القرية . والمرحلة الثانية للخارجين من مكة المكرمة تكون عند البشر المسمى ( بئر عسفان ) . كما تسمى هذه المرحلة أيضا ( بئر التفل ) . وتبعد مرحلة بئر عسفان اثنتي عشرة ساعة عن قرية ( وادى فاطمة ) ، ومياه تلك الآبار رقراقه وعذبة حلوة المذاق . ولما كانت مياه تلك الآبار مخلوطة بمياه وجه الأنبياء وبريق سيدنا ونبينيها ( عليه وعليهم التحية ) فإن مياه النيل والفرات وربما ماء الكوثر تغبطها على طلاوتها . وهنا في هذا الموضع يوجد البئر المشهور بين العرب ب ( بئر التفلة ) . والمسافرون من بئر التفلة يصلون إلى قرية ( خليص ) بعد ثمان ساعات من تحركهم . وقرية خليص تبعد عن مكة المكرمة بثلاث مراحل ، وتشتمل على العديد من الآبار والعيون الجارية ، كما أن بها الكثير من البساتين ، وحدائق النخيل المثمر . والقوافل المترددة بين مكة والمدينة تواصل سيرها إلي ( قضمية ) بعد استراحة قصيرة تمكنها من الاستسقاء في مرحلة خليص . وقضيمة هي المرحلة الرابعة وبينها وبين خليص اثنتا عشرة ساعة سيرا بالجمال . ومرحلة قضيمة بها ثلاثة آبار ، إلا أن مياهها مالحة بعض الشئ ، وذلك لقربها من البحر . ولما كانت هذه القرية المذكورة وفيرة الأسماك فقد لقيت استراحتها رواجا بين المسافرين المحليين المترددين عليها . والقوافل المتحركة من هذا الموضع تصل إلي ( رابغ ) التي تبعد مسيرة ست عشرة ساعة عن قضيمة من ناحية المدينة المنورة . ومع أن هناك بعض التباب الصغيرة الممتدة على طول الطريق بين مكة المكرمة ورابغ ، إلا أنها غير مرتفعة بالقدر الذي يحجب الرؤية . ولذلك كانت معظم المواقع في هذا الطريق ترى البحر بسبب قرب منطقة رابغ من البحر كذلك . ولما كانت الطرق الموصلة بين قضيمة ورابغ معبدة ورملية في معظمها ، فلذلك كان السير فيها مريحا . وكانت الطرق الموصلة بين مكة المكرمة والمدينة المنورة تتعدد عن رابغ ، وكان أكثرها استعمالا يسمى ( الطريق السلطاني ) . والمرحلة الأولى للطريق السلطاني ( الرئيسي ) أي الاستراحة الأولى للقوافل المتحركة في رابغ ، كانت في موقع ( مستورة ) الذي يبعد ست ساعات عن رابغ . وبهذه المرحلة التي تقع في الميدان الصحراوى المسمى ( منخفض ميمون ) بئران : أحدهما عذب المياه ، والآخر مالح . -